كتبت ـ ميرال المنصوري
مشهد يومي في شوارع مصر.. شباب وفتيات داخل العربات يفتح ملف التربية من جديد
لم يعد ما نشهده في بعض التصرفات اليومية يمكن التغاضي عنه بل أصبح نموذجًا واضحًا لحالة من التراجع في مفاهيم التربية واختلاط المعايير لدى فئات من الشباب والفتيات تبدأ الصورة بأغانٍ من نوعية المهرجانات تُشغَّل بصوت عالٍ داخل السيارات بشكل مقزز لتتحول بعدها إلى مشاهد مكتملة من الضجيج والاستعراض سيارات تضم شبابًا وفتيات، أصوات مرتفعة، وضحكات صاخبة، وحالة من الاستعراض غير المفهوم، وكأن الأمر أصبح طبيعيًا أو مقبولًا.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن هذا “الاعتياد” هو في حد ذاته المشكلة حين تقبل فتاة أن تكون في سيارة مع مجموعة من الشباب في أجواء تفتقر إلى أبسط درجات الاحترام فنحن لا نتحدث عن حرية شخصية كما يحاول البعض الترويج بل عن خلل واضح في التربية فالتربية ليست كلمات تُقال بل سلوك يُترجم على أرض الواقع.
والإنسان وخاصة الفتاة يُقاس بقدرته على وضع حدود لنفسه قبل أن يضعها له الآخرون الأمر لا يتعلق بمظهر أو بغطاء رأس أو بملابس لأن القيم لا تُقاس بالشكل بل بالمضمون فكم من مظهر يوحي بالالتزام بينما التصرفات تعكس عكس ذلك تمامًا وهنا يظهر التناقض الصارخ الذي يعكس أزمة حقيقية في الفهم وليس فقط في السلوك.
السؤال الأهم هنا: أين الأهل؟
كيف تصل فتاة إلى هذه المرحلة من القبول دون أن يكون هناك غياب واضح للدور الأسري؟ التربية ليست فقط توفير احتياجات مادية وليست مجرد ثقة تُمنح بلا حدود بل هي متابعة، توجيه، حوار، وغرس لقيم تجعل الأبناء قادرين على التمييز بين ما يليق وما لا يليق.
إن ترك الأبناء دون توجيه حقيقي تحت شعار “نثق فيهم” هو في كثير من الأحيان تخلي غير مباشر عن المسؤولية فالثقة لا تعني الغياب والحرية لا تعني الإهمال وبين الاثنين تضيع البوصلة.
ثم نأتي إلى النقطة الأخطر وهي ما يُسمى بالحرية.
لقد تم تشويه هذا المفهوم بشكل كبير حتى أصبح البعض يظن أن الحرية تعني أن يفعل ما يشاء بأي شكل وفي أي وقت دون أي اعتبار لنفسه أو لمجتمعه لكن الحرية الحقيقية لا يمكن أن تنفصل عن الاحترام ولا عن الوعي ولا عن المسؤولية.
الحرية ليست أن أضع نفسي في مواقف تقلل من صورتي ولا أن أشارك في مشاهد تفتقر إلى الذوق العام ثم أطالب الآخرين باحترامي فالاحترام يُبنى ولا يُفرض.
ما يحدث اليوم هو حالة من الخلط بين الانفتاح والانفلات بين الجرأة وقلة التربية ويتم تقديم هذه السلوكيات وكأنها أمر طبيعي أو حتى “تريند” بينما هي في حقيقتها مؤشر على غياب الوعي وضعف الأساس التربوي.
والمؤسف أن البعض لا يرى في ذلك مشكلة من الأساس بل يدافع عنه ويهاجم كل من ينتقده وكأننا أصبحنا نخجل من التمسك بالقيم ونُجبر على تقبّل ما لا يتوافق مع أبسط معايير الاحترام.
ومن هنا، لا يكفي فقط انتقاد المشهد بل يجب طرح بدائل حقيقية فبدلًا من إهدار الوقت في سلوكيات لا تضيف قيمة يمكن توجيه الأبناء نحو ما ينفعهم ويبني شخصيتهم ممارسة الرياضة ليست رفاهية بل وسيلة لتفريغ الطاقة بشكل صحي واكتساب الانضباط والالتزام كما أن الانخراط في أنشطة ثقافية أو تعليمية والعمل على تطوير المهارات وبناء الذات يخلق جيلًا واعيًا قادرًا على اتخاذ قراراته بشكل أفضل.
كذلك يلعب الوعي دورًا أساسيًا في حماية الشباب من الانجراف وراء ما هو شائع فقط لأنه منتشر يجب أن يكون هناك دور حقيقي للأسرة في التوعية ليس بالمنع القاطع بل بالنقاش والفهم والتقريب حتى يدرك الأبناء بأنفسهم الفرق بين ما هو صحيح وما هو خاطئ.
الحقيقة أن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج بل إلى وعي لا يحتاج إلى مشاهد استعراضية بل إلى نماذج إيجابية الشباب لديهم طاقة هائلة يمكن أن تُستثمر في العمل، في الرياضة، في التعلم، في بناء مستقبل حقيقي، لا في مواقف عابرة تستهلك الوقت وتُفقد الإنسان قيمته.
وفي النهاية القضية ليست في “ركوب عربية” أو “خروجة” بل في الصورة الكاملة التي تعكسها هذه التصرفات. صورة تقول إن هناك خللًا ما وإن هناك مفاهيم تحتاج إلى تصحيح.
وهنا يجب أن نُعيد التأكيد على معنى بسيط تم تشويهه: “ولاد الناس”
ولاد الناس ليسوا من يركبون السيارات ويستعرضون ويصنعون الضجيج في الشوارع وليسوا من يختلطون في مشاهد تفتقر إلى الاحترام ثم يبررونها بأنها حرية.
ولاد الناس الحقيقيون يُعرفون بتربيتهم، بأخلاقهم، برقيّهم، باحترامهم لأنفسهم قبل أي شيء.
ولاد الناس ليسوا بالعربيات ولا بالصوت العالي ولا بالرقص .
ولاد الناس بالأصول، بالتربية، بالالتزام، بالوعي.
ولاد الناس يُظهرون أنفسهم في المواقف في الاختيارات في قدرتهم على قول “لا” لما لا يليق حتى لو كان منتشرًا
ولاد الناس هم من يعرفون أن الاحترام لا يُطلب.بل يُكتسب وأن القيمة لا تأتي من استعراض بل من شخصية حقيقية متزنة.
فهل نُعيد تعريف “ولاد الناس” كما يجب أن يكون؟
أم نترك المفهوم يُفرغ من معناه، كما فُرغت كثير من القيم من مضمونها؟



0 تعليقات