كتبت ـ ميرال المنصوري
لم يعد مفهوم الدكتور الجامعي مرتبطًا فقط بما يقدمه داخل قاعة المحاضرات من علمٍ وشرحٍ وتقييمٍ للطلاب، بل أصبح أوسع وأعمق من ذلك بكثير، لأن الشخصية الأكاديمية لم تعد محصورة داخل جدران الجامعة، بل أصبحت مكشوفة أمام الجميع عبر السوشيال ميديا، التي لم تعد مجرد وسيلة تواصل عادية، بل تحولت إلى مرآة حقيقية تكشف الأخلاق والتربية والاتزان النفسي دون أي تجميل أو أقنعة.
الدكتور الجامعي بين قاعة المحاضرات والسوشيال ميديا
فاليوم لم يعد الطلاب أو المجتمع يحكمون على الدكتور الجامعي من خلال شهاداته أو منصبه فقط، بل أيضًا من خلال أسلوبه في الحديث، وطريقة تعامله، وما ينشره أو يلمّح به على مواقع التواصل الاجتماعي. فالسوشيال ميديا أصبحت جزءًا أساسيًا من الصورة العامة لأي شخص، خاصة إذا كان في موقع أكاديمي وتربوي، لأن كل كلمة تصدر عنه تُصبح انعكاسًا مباشرًا لشخصيته وقيمه.
المشكلة ليست في استخدام السوشيال ميديا، بل في كيفية استخدامها. فهناك من يجعلها مساحة لنشر العلم والوعي والاحترام، وهناك من يحولها إلى ساحة للتلميحات والرسائل غير المباشرة والتلقيحات التي لا تليق بمكانة أكاديمية. والأسوأ من ذلك حين يتحدث البعض باستمرار عن الأخلاق والتربية والاحترام، بينما سلوكهم على أرض الواقع أو على السوشيال ميديا يناقض تمامًا ما يقولونه.
الأخلاق ليست كلمات تُقال، ولا شعارات تُكتب، بل هي سلوك يُمارس في المواقف اليومية، وفي طريقة التعامل مع الطلاب، وفي احترام الاختلاف، وفي القدرة على ضبط النفس. أما التناقض بين القول والفعل فهو ما يجعل الصورة غير متسقة، ويكشف الفرق بين من يمتلك أخلاقًا حقيقية، ومن يستخدمها فقط كواجهة أمام الآخرين.
ومن المؤسف أن بعض التصرفات على السوشيال ميديا أصبحت وسيلة لإظهار التفوق أو فرض السيطرة أو الدخول في مقارنات غير مباشرة، بل وأحيانًا تتحول إلى رسائل مبطنة أو تلميحات لا تليق بشخص في موقع أكاديمي.
فالأستاذ الجامعي الحقيقي لا يحتاج إلى هذه الأساليب، لأن هيبته تأتي من احترامه لنفسه ولغيره، وليس من التقليل أو الاستفزاز أو الدخول في صراعات جانبية.
والأخطر من ذلك حين يتعامل البعض مع طلابه بأسلوب مؤذٍ نفسيًا أو تحطيمي، أو يسعى إلى عرقلة نجاحهم بدل دعمهم، أو يشعر بالانزعاج من تفوقهم بدل أن يكون فخورًا بهم. وفي هذه الحالة، لا يمكن اعتبار الأمر مجرد اختلاف في أسلوب الإدارة أو التعليم، بل هو سلوك يعكس خللًا نفسيًا واضحًا، قد يصل إلى درجة النرجسية، حيث يرى الشخص نفسه محورًا لكل شيء، ولا يتقبل فكرة أن يكون غيره أفضل أو أن ينجح بدونه.
فالشخص النرجسي لا يحتمل نجاح الآخرين، خاصة إذا كانوا طلابه، لأنه يربط قيمته بقيمتهم، ويشعر بالتهديد عندما يتفوقون عليه، بدل أن يرى في نجاحهم امتدادًا لنجاحه. لذلك قد يظهر منه سلوك قائم على التقليل، أو التعطيل، أو الإيذاء النفسي، أو خلق بيئة غير صحية للطالب، وكل ذلك لا علاقة له بالتربية أو التعليم، بل هو انعكاس لعدم اتزان داخلي.
وفي المقابل، الدكتور السوي نفسيًا هو الذي يدرك أن دوره الأساسي هو البناء لا الهدم، والدعم لا الإيذاء، والتوجيه لا السيطرة. هو شخص لا ينشغل بالمقارنات، ولا يدخل في صراعات، ولا يستخدم منصبه لإثبات ذاته على حساب الآخرين، بل يركز على نفسه، وعلى علمه، وعلى أداء رسالته بشكل راقٍ وإنساني.
فالدكتور السوي نفسيًّا ينعكس اتزانه على كل شيء حوله، حتى على صفحاته الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي. ستجد حساباته مليئة بإنجازاته العلمية، وأفكاره، وصوره الشخصية المحترمة، ولحظاته الحياتية الطبيعية، وكلماته الراقية، لأنه شخص يعيش حياته بشكل متزن وواضح، لا يشعر بالحاجة للدخول في صراعات أو إرسال تلميحات أو مراقبة الآخرين طوال الوقت.
أما الشخص غير السوي، فتتحول السوشيال ميديا عنده إلى مساحة لإثبات الذات بشكل مرضي، أو للتلميحات، أو لتصفية الحسابات، أو للحديث المستمر عن الأخلاق والتربية بينما تصرفاته تناقض كل ما يقوله. فبدل أن يعكس علمه وثقافته واحترامه، يعكس توتره الداخلي وانشغاله الدائم بالآخرين.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين الإنسان الواثق من نفسه، والإنسان الذي يحاول تعويض اضطرابه النفسي بصورة القوة أو المنصب. فالشخص السوي لا يحتاج إلى التقليل من أحد حتى يشعر بقيمته، ولا يرى نفسه في منافسة مع طلابه أو مع المجتمع، بل يكون مشغولًا بتطوير نفسه وحياته ومستقبله، لذلك تجد حضوره هادئًا وراقيًا سواء داخل الجامعة أو على السوشيال ميديا.
والسوشيال ميديا هنا لا تُخفي الحقيقة، بل تكشفها بوضوح. فهي تُظهر من يتحدث عن الأخلاق لأنه يمارسها فعلًا، ومن يتحدث عنها كواجهة فقط بينما سلوكه الحقيقي مختلف تمامًا. كما تُظهر من يستخدم منصبه بطريقة واعية، ومن يستخدمه كأداة ضغط أو استعلاء أو تصفية حسابات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة: الدكتور الجامعي ليس مجرد لقب علمي داخل الجامعة، بل هو شخصية متكاملة تُرى في كل مكان، داخل القاعة، وفي التعامل اليومي، وعلى السوشيال ميديا أيضًا. والقيمة الحقيقية لا تُقاس بالنجاح الأكاديمي وحده، بل بالاتزان النفسي، والأخلاق، والقدرة على احترام الإنسان قبل أي منصب أو درجة علمية، لأن العلم بدون أخلاق قد يصنع شخصًا ناجحًا، لكنه لا يصنع أبدًا قدوة حقيقية أو إنسانًا سويًّا.



0 تعليقات