header ads

عبدالرحمن النجار يكتب: جيل بيسلم جيل (1800-1809) "2"


من أنا لأقول عن نفسي مهندسًا

في عام 1805م، كانت حال شوارع القاهرة تموج بـأكبر زلزال سياسي شهده الشرق الحديث؛ الرصاص ينطلق من قلاع المماليك، وهتافات عامة الشعب وباعة الأسواق تقودها عمامة الزعيم "عمر مكرم" لعزل الوالي العثماني "خورشيد باشا" وتعيين "محمد علي" بقوة الإرادة الشعبية. وسط هذا الصخب العارم، والدخان المتصاعد في الفضاء، كان أطفال هذا الجيل في قراهم ونجوعهم يفتحون أعينهم على الدنيا وسط صرخات الثورة ومخاض ولادة الدولة الحديثة، لم يكن هؤلاء الأطفال يدرون أن قَدَرهم السني والتاريخي صاغ لهم مسارًا استثنائيًا؛ فـسنوات ميلادهم لم تكن مجرد أرقام بل كانت "تذكرة العبور" التي ستجعلهم لاحقًا أول جيل من العباقرة الذين غادروا قراهم البسيطة ليعبروا البحر نحو فرنسا ثم يعودوا يحملون سر الضوء والحركة والمياه، ليضعوا حجر الأساس لمدرسة المهندسخانة العريقة... فرسان الهندسة السته.

الفنار الذي قهر الظلمات

"مظهر أفندي لنا الحق أن نفخر به"، هذا ما قاله الطبيب الفرنسي كلوت بك في كتابه "لمحة عامة الى مصر" الذي صدر عام 1840م

محمد مظهر باشا ولد عام 1809 لأب عثماني وأم مصرية، وكان كالنخلة التي نبتت في رأس التين لتطاول عنان السماء، بعث إلى فرنسا عام 1826 ضمن البعثة الأولى، ونبغ في الرياضيات نبوغًا أذهل علماء باريس؛ فقال عنه المسيو جومار مشرف البعثة في رسالته عن أعضاء البعثات التي نشرت في المجلة الآسيوية (Journal Asiatique) عدد أغسطس سنة 1828م: "إن نبوغ مظهر أفندي في الرياضيات لمما يسترعى النظر"، حين عاد إلى مصر، لم يكتفِ بالتنظير، بل حوّل العلم إلى شواهد باقية؛ فهو المهندس العبقري الذي شيد "فنار الإسكندرية الكبير" القائم برأس التين لتوجيه السفن وسط المجهول، وهو الذي قاد الملحمة الهندسية لإنشاء "فرع رشيد في القناطر الخيرية" تلك التي وُصفت بمعجزة العصر، عاش حياته بين دوي المطارق وهدير المياه حتى وفاته عام 1873، تاركًا اسمًا يضيء كما يضيء فناره في عتمة البحر.


مأساة العبقرية المنسية

"كان من أعظم رجال تلك الرسالة، حسن الأخلاق، مهيبًا جليلًا، ذا رأى حسن" هذا ما قاله على باشا مبارك في موسوعته (الخطط التوفيقية) الجزء 11.

إذا كان للهندسة شهداء، فإن محمد بيومي أفندي (المتوفى عام 1852) هو شهيدها الأكبر، ابن قرية دهشور الذي سافر لفرنسا في البعثة الأولى وأمضى تسع سنوات يفك شفرات الهندسة الوصفية والرياضيات العليا، عاد ليصبح كبير الأساتذة في المهندسخانة، والأب الروحي لجيل كامل من المهندسين أمثال محمود باشا الفلكي، وعلي مبارك، وطائل أفندي، ودقلة أفندي. لم يكن بيومي مجرد معلم، بل كان ينحت المصطلحات العربية نحتًا لتعريب العلوم المعقدة، ولكن الأقدار لم تمهله؛ فمع تغير السياسة في عهد عباس باشا الأول، نُفي هذا العقل الفذ إلى الخرطوم ليعمل معلمًا للحساب في مدرسة أولية (إبتدائي). المأساة تتبلور حين أرسلت جامعة باريس بعثة لاستدعائه للتدريس فيها كأول مصري ينال هذا الشرف، فوجدوا "كبير المهندسين" يموت بالحمى في أقصى السودان، مات بيومي في ريعان شبابه، لكن كتبه المطبوعة على الحجر في بولاق ظلت لقرون تنبض بعلمه.


مهندس الأرض والحدود

"تربى على يديه خلق كثيرون برعوا فى الرياضة وترقوا فى الرتب، فمنهم الباشاوات والبيكوات. ونحن أيضا أخذنا عنه، وله علينا التربية والأستاذية"، هذا ما قاله على باشا مبارك في موسوعته (الخطط التوفيقية) الجزء 12.

من قلب محافظة الشرقية، خرج إبراهيم رمضان بك (المتوفى عام 1864) ليطوع المساحة والتراب، رافق البعثة الثانية عام 1828 إلى فرنسا تشرب أصول الهندسة الوصفية وتخطيط الأراضي وعاد قبل أن يتم دراسة بعض العلوم الرياضية، ولكن عين كمعيد لمظهر باشا في مدرسة المدفعية فاستطاع استكمال ما نقصه، ثم صار ركيزة التدريس في المهندسخانة، ولم يترك علمه حبيس جدران الفصول، بل كان من المهندسين الأوائل الذين أسهموا في الدراسات التمهيدية لشق قناة السويس، ترك للمكتبة العربية كتابين من أمهات الكتب المترجمة "القانون الرياضي في تخطيط الأراضي" الصادر سنة 1844م وكتاب "اللآلى البهية في الهندسة الوصفية" الصادر سنة 1852م.


مروض الجبر والمياه

" وأكثر المهندسين الموجودين الآن (سنة 1887م) تلقوا عنه، وكان حسن الإلقاء، يجتهد في التعليم، ويحث على الفهم، وكان من أعظم المهندسين"، هذا ما قاله على باشا مبارك في موسوعته (الخطط التوفيقية) الجزء 9.

ولد في قرية بسيون بالغربية، ليكون فارسًا آخر من فرسان البعثة الثانية عام 1828م. تخصص أحمد دقلة بك في العلوم الرياضية وعلم حركة المياه، وأصبح معيدًا لكبير الأساتذة محمد بيومي أفندي، ثم تدرج ليكون وكيلاً للمهندسخانة، اشتهر دقلة بأسلوبه العذب الساحر في التدريس، وقد خلد اسمه بترجمته البديعة لكتاب "رضاب الغانيات في حساب المثلثات"، وتوفي عام 1856 بعد أن تخرجت على يديه فيالق من مهندسي الري والقناطر في مصر.


جسد نحيل وعقل لا يبالي بالمستحيل

"وكان قصير القامة، صغير الجسم، كثير الفهم، لا يبالي بأكثر الأمور، وله جرأة على الأمراء وإقدام وكان محبًا للتلامذة يرغب في تعليمهم، وأخذ عنه أكثرهم أو جميعهم"، هذا ما قاله على باشا مبارك في موسوعته (الخطط التوفيقية) الجزء 9.

أحمد طائل أفندي من قرية بلتان بالقليوبية، التحق بالعثة الثانية عام 1828م وعاد منها عام 1835م، فعين معيدًا لدروس محمد بيومي أفندي ثم مدرس للعلوم الميكانيكية والجبر في المهندسخانة، ارتبط طائل بصديقه بيومي أفندي برباط العلم والمصير؛ فحين صدر أمر النفي إلى الخرطوم، سار طائل معه مرفوع الرأس، وهناك وسط قسوة المنفى وغياب التقدير، قاوم الحزن وظروف المناخ، وحين رُفع النفي عنه في بداية عهد سعيد باشا عاد إلى مصر لكنه عاد جسدًا واهنًا تنهشه الحمى، فلفظ أنفاسه الأخيرة بعد وصوله إلى بولاق بليلتين فقط، مات طائل على ضفاف النيل الذي طالما عشق هندسته.


ممدد الشرايين الحديدية

"وإليه يرجع الفضل في مد خطوطها (السكة الحديد) في أكثر أنحاء القطر ، وباسمه سميت محطة فايد ، في طريق السويس"، هذا ما قاله الأمير عمر طوسون في كتابه "البعثات العلمية في عصر محمد علي الصادر عام 1934م.

لم تكن قرية "كياد دجوة" بالقليوبية تدري أن ابنها أحمد فايد باشا سيكون الرجل الذي يربط أوصال القطر المصري بالحديد والنار، تعلم في القاهرة وباريس، وعاد عام 1836م ليتولى كبار المناصب التدريسية والهندسية، إليه يرجع الفضل التاريخي الأكبر في مد خطوط السكك الحديدية في معظم أنحاء مصر، وتقديرًا لجهوده الخارقة في شق الطريق الوعر بين القاهرة والسويس، سُميت محطة فايد باسمه تخليدًا له، ولم يكن مهندسًا ميدانيًا فحسب بل كان باحثًا ومترجمًا غزيرًا، ترك كتبًا هامة مثل "الأقوال المرضية في علم بنية الكرة الأرضية" الصادر عام 1841م، و"تحرك السوائل" الصادر عام 1847م، و"الدرة السنية في الحسابات الهندسية" الصادر عام 1852م، وتوفي سنة 1882م تاركًا شبكة من الحديد لا تزال تنبض بالحياة.


إن جيل 1800-1809 من المهندسين المصريين لم يكن مجرد أرقام في دفاتر البعثات، بل كانوا "الأنبياء الأوائل" للنهضة العمرانية، تسلحوا بالمسطرة في مواجهة الجهل، وترجموا الكتب بمداد من نور العين، وعاشوا بين مجد التشييد وقسوة المنافي، فكل قنطرة تعبر فوق النيل، وكل قطار يمر فوق قضيب حديدي، وكل خريطة أرض تُفتح، تحمل في طياتها طيفًا من أرواحهم الطاهرة التي صنعت مصر الحديثة.


كيف تسلم الراية؟

إن تشريح المسار المهني لـهؤلاء الرواد من أبناء جيل 1800 يكشف لنا عن العبقرية الحقيقية لعنوان سلسلتنا وكتابنا "جيل بيسلم جيل"، هذا الجيل هو الذي صنع ما يسميه علم الاجتماع السياسي بـ "مأسسة الدولة"؛ أي تحويل القرارات الفردية العشوائية التي كان يصدرها الحاكم المطلق إلى لوائح، وقوانين، وهياكل إدارية ثابتة ومستقلة لا تموت بموت الأفراد، عندما قرر والي مصر محمد علي باشا الانتقال بالبلاد من "النمط العشائري والمملوكي المفكك" إلى "الدولة المركزية والمؤسسية الحديثة"، لم يكن يبحث عن إداريين تقليديين، بل كان بحاجة إلى "مهندسين" يمتلكون عقلًا تنظيميًا صارمًا لبناء أركان هذه الدولة.

لقد نجح هؤلاء العمالقة الستة في وضع الجينات الأولى لـ "المواطنة الإدارية والهندسية" والخدمة المدنية النزيهة؛ وهم العقول التي مهدت الطريق وفتحت الممرات الشرعية والنظامية لـتلقف الأجيال اللاحقة من رجال الدولة (مثل جيل مواليد 1820 كعلي مبارك الذي هندس التعليم مستلهمًا من تنظيمات مظهر ومختار، وجيل مواليد 1810 كمحمود الفلكي باشا الذي حارب في محراب الفلك والخرائط الطوبوغرافية)، لولا الشجاعة التنظيمية الفجرية التي خاضها أبناء الفلاحين هؤلاء لتطهير الإدارة وتمصير المشروعات من السيطرة الأجنبية كاملة، لما وجدت الأجيال التالية تربة صلبة تقف عليها؛ فالوعي السياسي والعمراني لا ينمو في فراغ، بل يبدأ بـتنظيم البيت وتثبيت أركان الكفاءة الشريفة.


ختاماً، تضعنا سيرة جيل 1800 ومهندسيه الأوائل أمام درس وجودي بليغ يمس واقعنا الراهن: إن بناء الأوطان وحمايتها من التفتت لا يتحقق بالشعارات الحماسية أو بالانعزال والهروب، بل يوضع حجر أساسه بـ"عرق الكفاءة، ونزاهة التكنوقراط، وصبر التأسيس"، إن التحدي الحقيقي والمسؤولية الأخلاقية الشجاعة التي تواجه جيل الشباب اليوم في عصرنا الرقمي، ليست في التذمر من صعوبات الواقع وقسوته، بل في امتلاك نفس شغف وعزيمة محمد مظهر ومحمد بيومي والتابعين؛ لتثقيف الذات، واستيعاب علوم العصر الباردة، والالتصاق بـتراب الوطن لبناء مؤسساته وحماية كرامته الإنسانية بعيدًا عن أي تبعية عمياء؛ فالعمر عابر والجسد يفنى، أما طين الأرض وخلود الفكرة فباقيان ما بقي في الأمة أحرار يصونون العهد ويورثون الراية جيلاً بعد جيل.

إرسال تعليق

8 تعليقات